أبي الفرج الأصفهاني

53

الأغاني

فخرج إلى مكة ، وكان هذا أوّل ما هاج الشرّبينه وبين ابن الزبير . وقعة الحرّة قال المدائنيّ : واجتمع أهل المدينة لإخراج بني أمية عنها ، فأخذوا عليهم العهود ألَّا يعينوا عليهم الجيش ، وأن يردّوهم عنهم ، فإن لم يقدروا على ردّهم لا يرجعوا إلى المدينة معهم . فقال لهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان : أنشدكم اللَّه في دمائكم وطاعتكم ! فإنّ الجنود تأتيكم وتطؤكم ، وأعذر لكم ألَّا تخرجوا أميركم ، / إنكم إن ظفرتم وأنا مقيم بين أظهركم فما أيسر شأني وأقدركم على إخراجي ! وما أقول هذا إلَّا نظرا لكم أريد به حقن دمائكم . فشتموه وشتموا يزيد ، وقالوا : لا نبدأ إلَّا بك ، ثم نخرجهم بعدك . فأتى مروان [ 1 ] عبد اللَّه بن عمر فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إنّ هؤلاء القوم قد ركبونا بما ترى ، فضمّ عيالنا . فقال : لست من أمركم وأمر هؤلاء في شيء . فقام مروان وهو يقول : قبح اللَّه هذا أمرا وهذا دينا . ثم أتى عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - فسأله أن يضمّ أهله وثقله [ 2 ] ففعل ، ووجّههم وامرأته أمّ أبان [ 3 ] بنت عثمان إلى الطائف ومعها ابناه : عبد اللَّه ومحمد . فعرض حريث رقّاصة - وهو مولى لبني بهز [ 4 ] من سليم كان بعض عمّال المدينة قطع رجله فكان إذا مشى كأنه يرقص ، فسمّي رقاَّصة - لثقل مروان وفيه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ، فضربته بعضا فكادت [ 5 ] تدقّ عنقه ، فولَّى ومضى . ومضوا إلى الطائف وأخرجوا بني أميّة . فحسّ [ 6 ] بهم سليمان بن أبي الجهم العدويّ وحريث رقّاصة ، فأراد مروان أن يصلَّي بمن معه فمنعوه ، وقالوا : لا يصلَّي [ 7 ] واللَّه بالناس أبدا ، ولكن إن أراد أن يصلَّي بأهله فليصلّ ، فصلَّى بهم ومضى . فمرّ مروان بعبد الرحمن بن أزهر الزّهريّ ، فقال له : هلمّ إليّ يا أبا عبد الملك ، فلا يصل إليك مكروه ما بقي رجل من بني زهرة . فقال له : وصلتك رحم ، قومنا على أمر [ 8 ] فأكره أن أعرّضك لهم . وقال ابن عمر بعد ذلك - لمّا أخرجوا وندم على ما كان قاله لمروان - : لو وجدت / سبيلا إلى نصر هؤلاء لفعلت ، فقد ظلموا وبغي عليهم . فقال ابنه سالم : لو كلَّمت هؤلاء القوم ! فقال : يا بنيّ ، لا ينزع هؤلاء القوم عمّا هم عليه ، وهم بعين اللَّه ، إن أراد أن يغيّر غيّر . قال : فمضوا « إلى ذي خشب » [ 9 ] ، وفيهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان والوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، واتّبعهم العبيد والصّبيان والسّفلة يرمونهم . ثم رجع حريث رقّاصة وأصحابه إلى المدينة ، وأقامت بنو أميّة ب « ذي خشب » عشرة أيام ، وسرّحوا حبيب بن كرة [ 10 ] إلى يزيد بن معاوية يعلمونه ،

--> [ 1 ] هو مروان بن الحكم وكان إذ ذاك في المدينة أخرجوه مع عثمان بن محمد بن أبي سفيان في وقعة الحرّة . ( انظر « العقد الفريد » ج 2 ص 311 ) . [ 2 ] الثقل : متاع المسافر وحشمه . [ 3 ] قال السيد مرتضى : أبان كسحاب مصروف ، ثم قال : وأكثر النحاة والمحدّثين على منعه من الصرف للعلمية والوزن ( انظر « تاج العروس » مادة أبن ) . [ 4 ] في ت : « لبني نهد » وهو تحريف « . [ 5 ] في ت : « بعصا كادت » . [ 6 ] يقال : حس بالشيء وأحس به وأحسه إذا شعر به . [ 7 ] كذا في ب ، س ، ح ، ر : وفي ت : « لا تصلي واللَّه بالناس أبدا » وفي أ ، م ، ء : « لا نصلي واللَّه أبدا » . [ 8 ] أي بيت قومنا على أمر فأكره الخ ، أو أن المراد الإمر بالكسر وهو الأمر العظيم الشنيع ، ومنه قوله تعالى : * ( ( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ) ) * . [ 9 ] خشب كجنب : واد على مسيرة ليلة من المدينة له ذكر كثير في الحديث و « المغازي » ( ياقوت ) ويقال له ذو خشب ( انظر « تاج العروس » مادة خشب ) . [ 10 ] كذا في ب ، س ، ح ، غير مضبوط . وفي سائر النسخ : « كره » بالهاء غير مضبوط أيضا ، ولم نجد ضبطه في « كتب اللغة » . وضبط